محمد أبو زهرة
1533
زهرة التفاسير
ولقد بين سبحانه وتعالى أن هؤلاء الذين سألوا النبي صلى اللّه عليه وسلم قوم يتعنتون والمتعنت لا يلتفت إلى مطالبه ، وقد ذكر سبحانه الرد مع الدليل على تعنتهم ، فقال : قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ؟ . الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم و « البينات » المراد منها الحجة المبينة المثبتة لرسالة الرسل ، و « بِالَّذِي قُلْتُمْ » ، والمعنى بموضوع القول الذي قلتموه ، وهو الإتيان بقربان تنزل عليه نار بيضاء من السماء فتأكله ، وقد يطلق القول ويراد منه موضوع القول ، كأن يقول قائل : قلت لك إن الأمر سيكون على وجه كذا ، وقد كان ما قلت ، أي قد كان معنى القول الذي قلت وتحقق موضوعه . والمعنى : إن عليك يا محمد أن تقول في محاجتهم ولبيان تعنتهم قد جاءكم رسل بالبينات من قبل ، وتحقق من الأنبياء ما تطلبون ، وهو أنهم أتوا بقربان تأكله النار ، فلم تؤمنوا ولم تصدقوا ، وقد دل على هذا المعنى بقوله تعالى : فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إذ إن القتل لا يكون إلا أثرا من آثار التكذيب العنيد ، والجحود الشديد ، فيكون نسق القول الكريم هكذا : لقد كذبتم وأبلغتم في الكذب بادعائكم أن إيمانكم مرتبط بالقربان تأكله النار ، فقد جاءكم هذا ولم تؤمنوا ، بل كذبتم وأعنتم حتى بلغ بكم الأمر والاستهانة بالداعي أن قتلتموه ، ولو كنتم صادقين في ادعائكم ارتباط الإيمان بالإتيان بقربان تأكله النار فلم كان القتل ؟ . فالصدق المنفى هو صدق الارتباط بين الإيمان وتلك الحجة التي يطلبونها ، والاستفهام إنكاري ينفى أن يكون ثمة مبرر للقتل على أي وجه كان المبرر ، وينفى أيضا صدقهم . وسياق الخطاب الموجه للنبي صلى اللّه عليه وسلم هو لبيان تعنتهم ، وأنهم لا يطلبون حجة لنقص الدليل ، بل يتعنتون ، وأنهم فعلوا مع من أتوا لهم بهذا الدليل أشد مما فعلوا معك وهنا أمر يجب التنبيه إليه ، وهو أن القتل والتكذيب مع هذه الحجة كان من أسلافهم ، والخطاب للذين حضروا عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ومن يجئ بعده ممن على